حركة وتوجه المكفوفين من المنظور التقني ... الحلقة الأولى

التبويبات الأساسية

تمهيد:
تبقى القدرة على التنقل من مكان لآخر أحد المهارات اليومية الأساسية وواحدة من أهم مقومات الحياة الطبيعية التي يسعى كل إنسان للحفاظ عليها وتطويرها، ويقر الكثيرون أن القدرة على الإبصار تلعب دورا رئيسياً في تسهيل أداء تلك المهارة، ولكنهم أيضا سيجدون صعوبة في تحديد ماهية وتوقيت المعلومات البصرية التي يستعينون بها في الحركة والتنقل. وبالرغم من أنه من السهل استيعاب فكرة التنقل بين الأماكن المألوفة دون الإستعانة بالبصر، كالتنقل من غرفة إلى غرفة أخرى في منتصف الليل مثلا، إلا أن هناك العديد من الأشخاص عاشوا تجربة التنقل في الأماكن الواسعة غير المألوفة دون الاستعانة بالبصر. تخيل مثلا أن تكون مغطى العينين ومطالب أن تصل إلى محطة القطار وتتحرك داخلها بمفردك لتستقل العربة التي يوجد بها مقعدك؟ قد يكون تخيُل ذلك صعبا، إلا أن الكثيرين من فاقدي البصر اعتادوا السفر بأنفسهم بشكلٍ يومي، ولكن لأجل ضمان تنقل آمن ومستقل، يحتاج المكفوفون إلى اكتساب مهارات تساعدهم في الحركة والتنقل، وكذلك يحتاجون للاستعانة بمصادر معلومات بيئية غير بصرية نادرا ما يهتم بها نظرائهم المبصرون. كيف تتجنب مثلا الاصطدام بفرع الشجرة المتدلي أثناء تحركك على أحد الأرصفة الجانبية؟ أو كيف تتجنب السقوط في حفرة ما؟ أو إذا كنت تسير بالشارع، كيف تعرف أنك وصلت إلى المخبز أو إلى مكتب البريد أو إلى منزل صديقك الذي لم تكن تراه؟ كل تلك المهارات وغيرها يسعى فاقدو البصر دائما وأبدا لاكتسابها وتطويرها من خلال ُمِعينات بيئية أو حسية أو تقنية.
من خلال تلك السلسلة القصيرة من المقالات، سوف أسعى إلى تسليط الضوء على الجانب التقني في عملية الحركة والتوجه بالنسبة لفاقدي البصر، وسأركز بالتحديد على المحاور التالي:

  • بعض العوامل الإدراكية والحسية المتعلقة بمفهوم مهارة الحركة والتنقل بالبصر وبدونه.
  • الضرورات التي ينبغي مراعاتها حال تطوير وتقييم الحلول التقنية للحركة والتنقل .
  • الإشارة إلى بعض التقنيات المتوفرة حاليا وأهم مزاياها وعيوبها.

أولا، عوامل مؤثرة على الحركة والتوجه للمكفوفين:
تعتبر أهم التحديات التي يواجهها فاقدو البصر في حياتهم اليومية:

  1. صعوبة الوصول للمواد المطبوعة.
  2. صعوبة إيجاد وسائل آمنة للحركة والتوجه.

ولا ريب أن مجال الوصول إلى المواد المطبوعة شهد طفرة ملحوظة وتحسن كبير بفضل تطوير وتبني وسائل التكنولوجيا المساعدة كبرامج قراءة الشاشة ومحركات التعرف الضوئي على الحروف ومحركات تحويل النص إلى كلام وشاشات عرض برايل وغيرها. ولكن على النقيض من ذلك، ما تزال الصعوبة المتعلقة بالوصول إلى المعلومات المرتبطة بالتنقل تشكل تحديا حقيقيا للمكفوفين مثل معرفة أرقام الغرف والقاعات بالفنادق والجامعات وقراءة اللوحات الإرشادية بالشوارع ومعرفة أسماء المحلات التجارية وأرقام الحافلات والخرائط وغير ذلك. لنتخيل مثلاً أنك تريد الوصول إلى القاعة رقم 315 في مبنى ضخم بإحدى الجامعات دون أن تكون قادرا على قراءة أرقام القاعات أو الوصول إلى خريطة المبنى .
وماذا عن برايل
ما من شك في أن وضع لوحات بطريقة برايل تساعد المكفوفين كثيرا في التعرف على القاعات، ولكن يبقى وصول المكفوفين إلى مثل هذه اللوحات ليس بالأمر اليسير، بالإضافة إلى أن هناك شريحة كبيرة من فاقدي البصر لا تجيد القراءة بطريقة برايل، فمثلا تقديرات الاتحاد الوطني للمكفوفين بالولايات المتحدة الامريكية تشير إلى أن أقل من [ 10% ] من إجمالي المكفوفين يستخدمون طريقة برايل، وأقل من هذه النسبة يعتمدون عليها بشكل أساسي في حياتهم اليومية.
وعلى الرغم من أن هناك توجه حديث في بعض الدول العربية إلى العمل على تشجيع المؤسسات التي يتم إنشاؤها أو تحديثها على وضع علامات إرشادية بطريقة برايل، ولكن حتى إذا التزمت المؤسسات بهذه السياسة، فإن الكثير من المباني القديمة ستظل دون تلك العلامات، هذا بالإضافة إلى أن أرقام الغرف والقاعات لا تمثل إلا جزءا بسيطا جدا من المعلومات المتاحة للمبصرين، فهي لا توفر معلومات مثل دليل المتاجر بالمجمعات التجارية أو لوحة الوصول والمغادرة بالمطارات.
وإذا كان من الممكن تسهيل تنقل أصحاب الكراسي المتحركة بإزالة العقبات من البيئة عن طريق وضع منحدرات، إلا أنه لا توجد حلول بسيطة للوصول إلى المعلومات المطلوبة للكفيف أثناء تحركه. لذا فإننا سنحاول مناقشة التقنيات التي تساعد الكفيف على التنقل ولا تتطلب تعديلات بيئية مصاحبة.
تطور ضئيل
يعتبر التطور التقني الحالي على صعيد تسهيل تنقل الكفيف وإمدادهم بالمعلومات البيئية المصاحبة ضئيلا للغاية حينما تتم مقارنته بالنهضة التكنولوجية في مجال الوصول إلى المواد المطبوعة. يرجع ذلك الاعتماد المحدود لتلك التقنيات بالأساس إلى العديد من العوامل، أحاول تلخيصها فيما يلي:
1. ارتفاع التكلفة
أهم تلك العوامل هي التكلفة المرتفعة لتطوير وتركيب مثل هذه الحلول. فالمبالغ المالية اللازمة لتقنيات الملاحة تلك تصل إلى المئات أو الآلاف من الدولارات، الأمر الذي يجعل من الصعب على الأفراد اقتناءها من ميزانياتهم الشخصية. وإذا كانت مؤسسات تأهيل ورعاية المكفوفين تساعد غالبا في توفير أدوات التكنولوجيا المساعدة الخاصة بالوصول للمواد المطبوعة، إلى أنها نادرا ما تولي اهتماما لتقنيات الملاحة والتنقل.
2. البعد عن احتياجات المستخدمين
بالإضافة لقيود التكلفة، فإنه لن يحدث اعتماد واسع النطاق لمثل هذه التقنيات حتى يتم التركيز بشكل أكبر على العوامل الحسية المصاحبة واحتياجات المستخدم. بمعنى آخر، من الضروري البحث بشكل أكبر عما إذا كانت تلك التقنيات توفر حلا حقيقيا لمشكلة يعاني منها المكفوفون على أرض الواقع. حتى هذا الحين، ستبقى قضية التنقل السهل والآمن إحدى القضايا التي تثقل كاهل المكفوفين .
3. الفئات المستهدفة
أحد العوامل الأخرى التي يجب التركيز عليها هو عدد المستخدمين المحتملين لتقنيات الحركة والتنقل. تشير الدراسات إلى أن معظم حالات فقدان البصر تأتي كأعراض مصاحبة للتقدم في السن، كالأمراض التي تسبب الضمور البقعي والمياه الزرقاء واعتلال الشبكية بسبب السكري، وبالتالي فإنه سيكون من الصعب على متأخري السن من فاقدي البصر استخدام تقنيات معقدة، بعكس نظرائهم الأصغر سنا. ومما يزيد المشكلة تفاقما أن كبار السن عادةً ما يصاحبهم صعوبات إدراكية أو بدنية أخرى، الأمر الذي سيجعل تبني بعض التقنيات غير عملي بالمرة. لذا، فإنه من الضروري القيام بمزيد من الأبحاث لمعرفة آلية تطوير تقنيات ملاحية عملية لكبار السن من فاقدي البصر.
المعلومات البيئية:
على الرغم من أن الهدف من التنقل بالبصر أو بدونه واحد، وهو التحرك بأمان من نقطة انطلاق إلى نقطة وصول، إلا أن المعلومات البيئية المتاحة التي يبحث عنها المبصرون تختلف تماما عن تلك التي يستهدفها المكفوفون. فإذا كنت تريد التوجه من منزلك إلى صندوق البريد المقابل مثلا، إذا كنت مبصرا فإن حركتك ستعتمد كليا على الإدراك البصري، إذ أنك ستلاحظ صندوق البريد والعقبات الموجودة بالطريق، ثم ستتخذ الطريق الأسرع الذي يوصلك إليه. فأثناء التفافك من خلف الدراجة المتوقفة عند الباب وانتظارك لعبور السيارة المنطلقة في وسط الشارع، لن تولي اهتماما للأصوات التي تحدث حولك إذ أنك تتفادى العقبات آليا في طريقك مستعينا بما تراه. كما أنك قد تعتبر أنه من غير المهم معرفة المسافات بين الأشياء وكيف يتغير موقعك من هذه الأشياء كلما تحركت. هذا هو مثال لما يطلق عليه (piloting) أي الاستعانة بمعلومات خارجية لتحديد موقع الشخص المتحرك وتوجهه في البيئة المحيطة. وبما أن تحديد الموقع والتنقل القائم على سرعة الأشياء المحيطة يتم عادة من خلال تلميحات بصرية، فإن من البديهي أن تكون الوسائل الحسية الأخرى أقل دقة. فعلى سبيل المثال، الاستعانة بحواس كالسمع والشم واللمس يوصل معلومات أقل من البصر بكثير حول الحركة الذاتية للأشياء والهندسة التخطيطية للمكان ومسافة واتجاه المعالم الرئيسية بالمكان. وبالنظر إلى أن هذه المعلومات الهامة لكفاءة الإدراك المكاني والملاحة، يكون افتقار المكفوفين إلى الوصول الأمثل لتلك المعلومات في وضع غير مؤات بالمقارنة مع أقرانهم المبصرين، وكما سنلاحظ لاحقا، فإن دور التكنولوجيا المساعدة سيرتكز أساسا على تقليص الفجوة بين البصر والحواس الأخرى في هذه الناحية.
الإشارات الحسية غير البصرية:
وهناك اختلاف رئيسي آخر خاص بالتنقل دون إبصار، وهو ضرورة تعلم تفسير الإشارات الحسية غير البصرية، فالمكفوفون يحتاجون إلى تعلم كيفية التحرك بشكل آمن في البيئة المحيطة بهم. فمثلا يجب عليهم تعلم فنيات اكتشاف العراقيل الموجودة في طريقهم وكيفية اكتشاف المنخفضات أو درجات السلم وتفسير أنماط إشارات المرور المختلفة لمعرفة إذا كان ضوءها أحمر أم أخضر وكيفية العثور على محطة الحافلات المناسبة وغير ذلك من المهام الملاحية الأخرى. كما يجب عليهم أيضا متابعة موقعهم ومدى تعلق مكانهم أو اتجاههم الحالي بالمكان الذي يرغبون في الوصول إليه. كل هذه المهام تحتاج إلى مجهود ذهني وإدراكي كبير ومقدرة دائمة على حل المشكلات التي قد تطرأ على عملية التنقل. وبالمقارنة بوضع المبصرين، فإن تلك المهام لا تحتاج إلى نفس المجهود الإدراكي المبذول، إذ أنهم يتعاملون معها بشكل أوتوماتيكي فوري. فمعظم المبصرين مثلا لم يهتموا لتعلم كيفية تجنب الاصطدام بالعراقيل أو كيفية السير في خط مستقيم أو التعرف على المعالم الأساسية بالمكان، إذ أن كل ذلك لا يتم تعلمه بشكل منهجي، بل هي بالنسبة لهم عملية تلقائية مكتسبة. وعلى النقيض من ذلك، فإن المكفوفين الذين يجيدون الانتقال والسفر بأنفسهم قد تلقوا تدريبات مسبقة لاكتساب تلك المهارات. وبمعنى آخر، عملية التنقل المعتمد على الإبصار عملية حسية بشكل أكبر، في حين أن عملية التنقل بدون إبصار تمثل مسعى مرهق يتطلب الانتباه واستغلال كل الموارد الذهنية الممكنة. وهنا يجب التفرقة بين مهارتي التوجه (orientation) والحركة (mobility) فالتوجه هو عملية تتبع موضع الحركة وخط السير حين الانتقال من النقطة [ ا إلى النقطة ب ] أما مهارة الحركة فهي المقدرة على اكتشاف وتجنب العراقيل أثناء السير، وعملية الانتقال الفعالة تستلزم إتقان كلا المهارتين، وسنرى أن التقنيات التي سنعرضها تحاول تعزيز إحداهما.
أكتفي بهذا القدر، على أمل أن استكمل بقية المحاور في مقالة أو اثنتين لاحقا بإذن الله.

النوع: 

التعليقات

رائع.

مقال مميز جدا، وينم عن معرفة عميقة بما تتحدث عنه.
سأنتظر المقالات اللاحقة بكل تأكيد، نحتاج إلى مقالات تخصصية احترافية مثل هذه.
شكرا لك.