حركة وتوجه المكفوفين من المنظور التقني .. الحلقة الثالثة والأخيرة

التبويبات الأساسية

عزيزي القارئ، هذه هي المقالة الأخيرة من سلسلة مقالات حاولت من خلالها طرح قضية التكنولوجيا الحديثة ودورها في مهارات الحركة والتوجه لفاقدي البصر في البيئة المحيطة. في الحلقة الأولى تحدثت عن أهمية هذا الموضوع وأسباب تأخر التطور التقني فيه بالمقارنة بالتطور الحادث على صعيد الوصول للمواد المطبوعة، وفي الحلقة الثانية استعرضت أهم العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار عند تطوير أو تقييم حلول تقنية خاصة بالحركة والتوجه. وفي هذه المقالة، سأشير لبعض التقنيات الملاحية المتوفرة وعيوبها وميزاتها، بيد أنها لن تكون قائمة متكاملة بجميع الحلول المتاحة، ولكني سأركز على الأجهزة الأكثر شيوعا كشاهد على ما توصلت إليه تكنولوجيا العصر الحديث في هذا المجال المهم.
كما أشرت سابقا، فإن كل تلك التقنيات تشترك في كونها تسعى لترجمة ما يمكن إبصاره إلى حواس أخرى كاللمس أو السمع. وسأقوم في السطور التالية بتقسيم التقنيات الموجودة بناءا على خصائص الحساسات المتوفرة بها كالآتي:

  • أجهزة تعمل بالسونار مستعينة بأجهزة الاستشعار الصوتية.
  • أجهزة الرؤية المعتمدة على الكاميرات أو الليزر.
  • الأجهزة المعتمدة على نظام تحديد المواقع GPS.
  • التحرك داخل المباني بتقنية البلوتوث.

أولاً - الأجهزة المعتمدة على السونار:
تساعد الأجهزة العاملة بأشعة السونار المستخدِمين على الكشف عن العقبات في وقت مبكر عن اكتشافها باستخدام العصا البيضاء، ولكن يمكن الإعتماد عليه فقط كجهاز مُكمّل حيث أنه لا يستطيع اكتشاف الحُفر. ويرسل نظام السونار نبضات بالموجات فوق الصوتية التي لا يمكن سماعها أو الشعور بها، وترتد هذه النبضات مرة أخرى إلى جهاز السونار مما يسمح له بتحديد بُعد الشئ الذي ارتدت عنه النبضة. وعادة ما تستخدم خاصية الاهتزاز للدلالة على اتجاه ومسافة الأشياء المكتشفة. ويوجد العديد من أنماط أجهزة الحركة المعتمدة على تقنية الموجات فوق الصوتية تلك، من ضمنها ما يلي:
1. السونار المحمول عبارة عن مربع صغير، بحجم جهاز صغير للتحكم عن بعد. يقوم المستخدم بتحريك المربع كما لو كان يقوم بالمسح الضوئي لورقة بكاميرا، أو مثل طريقة تحريك العصا البيضاء. تنتقل بيانات عن إتجاهات ومسافات الأشياء المكتشفة إلى المستخدم من خلال اهتزازات المربع، ويعتمد على زيادة معدل نبضات الاهتزاز للدلالة على اقتراب الشخص من العقبة. ومن أشهر أجهزة السونار هي تلك العصا المحسنة المسماة Ultra Cane والتي يبلغ ثمنها تقريبا حوالي 800 دولار، وتحتوي على مستشعرين أماميين للموجات فوق الصوتية مثبتين في مقبض عصا طويلة. يسهل هذا التصميم من اكتشاف العقبات المنخفضة باستخدام العصا، والعقبات المتدلية من أعلى باستخدام مستشعرات السونار، الأمر الذي يمنحها ميزة إضافية مهمة لا تتوفر بالعصا التقليدية. وبالإضافة إلى تحديد المسافة من العراقيل باستخدام شدة الاهتزازات، تقوم أجهزة الاهتزاز الثلاثة الموجودة بمقبض العصا بتوفير معلومات عن موقع العقبة التقريبي، فإذا كان الاهتزاز بالجزء العلوي يعني أن العقبة جهة الرأس، وأذا كان الاهتزاز بالوسط يعني أن العقبة جهة الصدر، وإذا كان الاهتزاز بالأسفل يعني أن العقبة جهة الساق.
2. هناك نوع آخر من أجهزة السونار لا تعتمد على الاهتزاز، ولكن على تحويل الموجات إلى نغمات مسموعة لإعلام الكفيف بمكان العقبة. فمثلا أداة bat K-Sonar هي عبارة عن جهاز في حجم الهاتف الجوال يتم تثبيته على مقدمة عصا عادية ويمكن توصيله بسماعات الرأس. باستخدام هذا الجهاز، يستطيع المستخدم سماع أصداء من مصادر متعددة لتسهيل تتبع أكثر من كائن محيط في نفس الوقت، ويتم تقدير بعد العقبة بناءا على حدة الصوت، فكلما كان الصوت ذو حدة أكثر انخفاضا كانت العقبة أكثر اقترابا، وبالعكس.
3. كما توجد أيضا نظارات السونار والتي تقوم بعمل مسح بالموجات الصوتية للأشياء امام المستخدم وتعطي مردود المسح عن مسافات الأشياء وإتجاهاتها بالصوت من خلال سماعات مثبتة على جانبي الرأس، بحيث يكون المكفوفون قادرون نظريا على بناء صورة ذهنية ثلاثية الأبعاد للبيئة المحيطة بهم. ولكن هذه التقنية لم تلقَ رواجا بين المكفوفين نظرا لقلة الأبحاث العملية التي أجريت قبل تطويرها وصعوبة استيعابها من قبل المستخدمين العاديين وعدم مقاربتها للواقع.
وترتكز أهم ميزات أجهزة السونار فيما يلي:

  • كونها قادرة على توسعة المجال الإدراكي للكفيف من متر واحد إلى عدة أمتار.
  • تحذر من العقبات المرتفعة التي لا يمكن للعصا التقليدية والكلب اكتشافها.
  • لا تتطلب تركيب أو صيانة من قبل جهة خارجية إذ أنها سهلة الحمل والتشغيل.

من جهة أخرى، فإن لأجهزة السونار تلك عيوب واضحة، من ضمنها ما يلي:

  • لا تكاد تكون مفيدة في الأماكن المزدحمة بسبب أن الإشارة تصبح عرضة لإمداد المستخدم بمعلومات خاطئة غير دقيقة.
  • تحتاج الأجهزة المعتمدة على تحويل الموجات إلى صوت مسموع إلى تشغيل صوت بشكل مستمر، والمكفوفون يعتمدون أساسا في تحركهم على الاستماع لأصوات البيئة المحيطة، الأمر الذي يجعل منها مشتتة للذهن أكثر من كونها معينة على الحركة.
  • هناك أيضا مشكلة متعلقة بالفترة المطلوبة لتعلمها وإتقان استخدامها، فمنحنى التعلم لها، وخصوصا تلك التي تعتمد على الصوت، يكون بطيء جدا ويحتاج لفترات تدريب كبير.
  • ارتفاع أسعار تلك الأجهزة.

ثانياً - المعينات البصرية:
1. عصا الليزر :
تستخدم بعض التقنيات إشعاعات الليزر لاكتشاف العقبات وتنبيه الكفيف إما بالصوت أو بالإهتزاز. فعلى سبيل المثال، عصا Nurion الليزيرية تشبه كثيرا عصا السونار المشار إليها مسبقا ولكنها تستخدم إشعاع ليزري قوي بدلا من الموجات فوق الصوتية وتحتوي على 3 مرسلات و3 مستقبلات ليزرية لتنبيه الكفيف للعقبات المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة عن طريق قوة الاهتزاز أو حدة النغمات الصوتية. كما أن هناك العصا الليزرية الحديثة التي توقف تطويرها بسبب عدم توفر الدعم المالي الكافي، ولكنها تستحق الذكر لفكرتها المميزة. فبالإضافة إلى إمداد الكفيف بمعلومات حول العقبة التي قد يصطدم بها،فهي تحتوي أيضا على مستشعر يمكنه اكتشاف ملصقات تم وضعها مسبقا من على بعد عشرة أمتار. يمكن إعطاء هذه الملصقات أسماء ذات معنى يتم تسجيلها على العصا بحيث تقوم بتنبيه الكفيف إلى وجوده بقرب المكان المحتوي على الملصق من خلال إعادة تشغيل الاسم المرتبط به. ولكن أيضا موجات الليزر عرضة للتشويش والانقطاع بسبب أي حدث عارض كمرور شخص أمامها أو فتح باب مغلق، كما أن معظم تلك الأجهزة تم إيقاف إنتاجها بسبب إخلالها الشديد بعوامل النجاح السابق ذكرها.
2. عدسات الكاميرا :-
وهناك طريقة أخرى للاستفادة من المعينات البصرية في نقل معلومات بيئية محيطة وهي عن طريق عدسات الكاميرا، فلدينا على سبيل المثال تطبيق The vOICe لصوتنة الصور والفيديو والذي يطوره الفيزيائي الهولاندي بيتر مير والذي يعد أنجح نموذج متاح حاليا، ويعتمد على تحويل الصور إلى أبعاد صوتية تسمى (seeing with sound)أي الرؤية بالصوت. يعمل هذا التطبيق على تحويل الصور الحية التي تلتقطها عدسة الكاميرا إلى أصوات مسموعة ثلاثية الأبعاد مطابقة للصورة، ويجب الاستماع إلى هذه الأصوات عبر سماعات ستيريو تثبت على الرأس. تعتبر هذه التقنية إحدى بدائل الرؤية التي تستخدم مجموعة أساسية من قواعد ترجمة الصورة إلى صوت بهدف تحويل المدخل البصري إلى مخرج سمعي. فمثلا، يتم تمثيل المحور الأفقي للصورة بالزمن، فالمستخدم مثلا يستمع إلى الصورة أثناء مسحها من اليسار إلى اليمين بمعدل لقطة واحدة في الثانية، والمحور الرأسي يتم تمثيله من خلال حدة الصوت، فإذا كانت حدة الصوت أعلى دل ذلك على الارتفاع في الصورة المرئية، وأخيرا يتم تمثيل درجة السطوع بعلو الصوت، فكلما كان الصوت أعلى كان ما بداخل الصورة أكثر سطوعا، فالأسود يكون صامتا تماما والأبيض يتمثل في أعلى مستوى للصوت، هذا بالإضافة إلى القدرة على التحكم في الاستماع لخصائص أخرى بالصورة. ميزة هذا التطبيق التجريبي أنه مجاني ومن الممكن استخدامه على أجهزة الكمبيوتر والجوالات لأخذ خلفية عن الصور المعروضة، وكذلك استخدامه لصوتنة البيئة المحيطة عن طريق تسليط الكاميرا على ما يواجه الكفيف من عراقيل. بإمكان هذا النظام نظريا تحسين عملية التنقل والتوجيه عن طريق اكتشاف ما قد يواجه الكفيف في طريقه ونقل صورته له، ولكن إلى الآن لم يتم إجراء دراسات موضوعية للتحقق من أن المكفوفين قادرين على تعلم هذا الأسلوب في الاستماع للصور بسهولة. فلو كان من الممكن استخدام هذا النظام بشكل مفيد، فسيتطلب ولا شك مراحل تعليم وتدريب شاقة للمكفوفين ، كما أنه يحتاج إلى استهلاك الكثير من الطاقة الذهنية للفرد لتحليل ما يستمع إليه، الأمر الذي سيؤدي إلى تشتيت الانتباه أثناء الحركة وعدم التركيز على البيئة المحيطة مما يؤدي إلى الإخلال بمبدأ التنقل الآمن.
ثالثاً : أجهزة GPS :
نظام تحديد المواقع العالمي [ GPS ]هو عبارة عن شبكة مكونة من 24 قمر صناعياً تتم إدارتها من قبل القوات المسلحة الأمريكية وتهدف إلى إمداد الشخص بمعلومات عن موقعه الحالي في أي مكان في العالم تقريبا أثناء التنقل خارج المباني. وتندرج نظم الملاحة المعتمدة على GPS تحت قسم مساعدات تحديد الاتجاه إذ أن الأقمار الصناعية توفر معلومات يتم تحديثها أولا بأول حول الموقع الحالي للشخص، وتستخدم تلك النظم سلسلة من إشارات GPS لتحديد الإتجاه أثناء الحركة. ولكن من المفترض أن يتم استخدام تلك النظم كأداة مساعدة لأدوات الحركة التقليدية، وذلك نظرا لعدم دقة إشارات gps والتي توفر المعلومات الموضعية بدقة قد تختلف من متر واحد إلى عشرة أمتار. وعلى مدار السنوات الماضية، تم تطوير العديد من حلول التنقل باستخدام gps متوافقة مع المعاقين بصريا، شملت تطبيقات على أنظمة الهواتف والأجهزة اللوحية وتطبيقات لمفكرات برايل وأجهزة ملاحة مستقلة نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
1. تطبيق Guide Dots:
هو تطبيق مجاني جديد يعمل بنظام التشغيل أندرويد ويهدف إلى رصد أماكن الأشخاص باستخدام نظام التعليق الصوتي لتنبيه المستخدم بالأهداف القريبة مثل المطاعم والمتاجر وحتى الأصدقاء. يضغط المستخدم على زر معين في التطبيق ليستمع شرح صوتي للاماكن المحيطة به. كما يمكنه تحديد مواقع العقبات والاستراحات والاماكن الترفيهية بدرجة مقبولة وتبادل تلك المعلومات مع مستخدمين آخرين للتطبيق. ويلتقط التطبيق بيانات مواقع الاشخاص والاماكن من تطبيق خرائط جوجل وخاصية تحديد المواقع عبر فيسبوك.
ومن أمثلة تطبيقات الملاحة لنظام أندرويد أيضا تطبيق GuideDroid وتطبيق nowNav وغيرهم.
2. تطبيق Blind Square :
ويعمل على نظام التشغيل i-OS ويهدف لمساعدة فاقدي البصر في إيجاد الأماكن القريبة مستعينا بالبوصلة الموجودة بالجهاز وتقنية gps، كما أنه يجمع بيانات حول الأماكن القريبة من موقع forsquare الشهير ويمكنه أيضا الاندماج مع تطبيقات ملاحة أخرى واستخدام خرائطها مثل Navigon أو apple maps بإمكان المكفوفين من خلال هذا التطبيق طلب معرفة اقرب مقهى يقع في نطاق 200 متر أو التعرف على مكان أقرب مكتب بريد، كما يمكنهم تحديد تقاطعات الطرق اثناء السفر وتحديد مكان ما والحصول على إرشادات صوتية للوصول إليه، كما أنه أضاف مؤخرا ميزة التحرك داخل المباني عبر التواصل مع مستشعرات البلوتوث التي يأتي ذكرها في الأسطر القادمة.
ومن تطبيقات الملاحة الأخرى على نظام iOS تطبيق navigon وتطبيق Tomtom بالإضافة إلى تطبيقات الملاحة الافتراضية التي تأتي عادةً مع تلك الأنظمة وغيرها الكثير.
3. مفكرات برايل:
تحتوي أيضا بعض مفكرات برايل الشهيرة مثل brailleSense و braillenote على ملحقات إضافية للملاحة مستعينة بتقنيةGPS وتقوم هذه الملحقات بإضافة خواص تحديد الموقع والمسارات ومعرفة الأماكن المحيطة بالشخص إلى جهاز مفكرة برايل، بحيث يتلقى الكفيف معلومات الموقع عبر الصوت أو عبر سطر برايل الإلكتروني الملحق بالجهاز.
4. جهاز captain mobility :
هو أحد أمثلة أجهزة الملاحة المستقلة الذي يوفر مزايا خاصة بالتنقل ومعرفة الاتجاهات والعناوين مثل الحصول على إرشادات صوتية حول الأماكن المحيطة أثناء التحرك على الأقدام, أو بالسيارة أو بالمواصلات العامة، وإمكانية استكشاف الخريطة ومعرفة مواقع الأماكن دون الذهاب إليها، واستعراض مناطق الاهتمام الخاصة بالمستخدم وإعلامه حال اقترابه من أحدها، وإمكانية حفظ مكان الانطلاق كعلامة مرجعية ليسهل العودة إليه لاحقا، ويُشار إلى أن هذا الجهاز تم إيقاف إنتاجه من قِبَل الشركة المُصنِعة لوجود بدائل أكثر كفاءة.
وسواءا استُخدِمت تقنية GPS كأداة لإستكشاف الطريق قبل التحرك أو كأداة توجيه أثناء الحركة، فإن المعلومات التي توفرها من المفترض أن تحسن أداء المكفوفين على صعيد التوجه وتزيد ثقتهم بأنفسهم وتعزز فرصهم في التنقل باستقلالية وأمان، وهذا لأنه ليس بمقدور أي تقنية أخرى توفير معلومات شمولية مثل أجهزة GPS وكما سبق يتضح إن الحركة في الاتجاه الدقيق تمثل أحد أكبر الصعوبات التي يواجهها المكفوفون، لذا فإن من المحتمل أن تكون تلك الأجهزة قادرة على التعامل مع هذه المشكلة التي لم تستطع التقنيات الأخرى حلها. بيد أن هناك العديد من جوانب القصور تشوب الملاحة باستخدام GPS منها ما يلي:

  • على الرغم من أن التطبيقات المشغلة لها قد لا تكون مكلفة، إلا أن الأجهزة التي تعمل عليها تلك التقنيات غالبا ما تكون باهظة الثمن، كأجهزة مفكرات برايل.
  • يتحتم على المستخدم شراء تحديثات الخرائط من فترة لأخرى لتكون البيانات لديه مطابقة لتغييرات المواقع الحديثة.
  • دقة تقنية GPS ليست كافية لتحديد المكان المقصود بدقة متناهية، فهي غالبا ما تعطي الموقع التقريبي للمكان ولكنها ليست قادرة على الإرشاد لمدخل المبنى مثلا.
  • غير قادرة على تنبيه المستخدم لوجود عقبات أو أجسام متحركة في طريقه، لذا فليس بإمكانها أن تحل محل التدريب الجيد على الحركة والتوجه.
  • هناك مخاطرة متعلقة بالأخطاء التي غالبا ما توجد بالخرائط، كأن يكون اسم الشارع خاطئا أو كأن يحاول النظام قيادة الشخص من طريق غير موجود أو أكثر خطورة من الطريق الطبيعي.
  • تلقي إشارات من مصادر خارجية، فإن هذه الإشارات عرضة للانقطاع أو الفقدان خصوصا في الأماكن النائية أو بين المباني الشاهقة، الأمر الذي قد يؤدي للمخاطرة بسلامة المستخدمين.

رابعاً - تقنية التحرك داخل المباني عن طريق أجهزة البلوتوث:
إذا كان ظهور تقنيات GPS قد أدى لإحداث نهضة جيدة في مجال ابتكار أجهزة متوافقة لاستخدام المكفوفين بغرض تسهيل الحركة بالخارج، إلا أن القليل من الاهتمام يتم إيلاؤه لقضية تتبع الاتجاهات والتنقل داخل المباني. فباستثناء العلامات الأرضية ولوحات برايل أو حتى العلامات الناطقة التي تمد المستخدمين بمعلومات أساسية حول المعالم الرئيسية بالمكان وليست ذات انتشار واسع، فإن التقنيات التي تم تطويرها للتحرك في الأماكن المغلقة تكاد تكون محدودة للغاية، الأمر الذي يشكل عقبة كبيرة أمام المكفوفين بسبب عدم قدرتهم على الحصول على الإرشادات اللازمة للتحرك داخل مباني كالمدارس والجامعات والمجمعات التجارية وغيرها.
ولكن في الآونة الأخيرة، بدأت هناك محاولات جادة من بعض الشركات الناشئة في تقديم حلول لهذه المشكلة، أحدها تلك التقنية التي تعتمد فكرتها على تواصل أجهزة بث بلوتوث مع الهواتف الذكية الموجودة مع المكفوفين. يقوم مهندسو الشركة بدايةً بتثبيت أجهزة صغيرة تسمى beacons على الحوائط والمداخل والأماكن المهمة بالمبنى، وهي عبارة عن أجهزة إرسال تبعث إشارات لمسافة تتراوح بين متر واحد إلى 30 مترا، ثم يقومون بإنشاء طرق مسبقة عن طريق تصميم خريطة ثلاثية الأبعاد تعتمد على مواقع تلك الأجهزة وعلاقتها ببعضها، ويقوم الكفيف بعد ذلك بتشغيل خاصية البلوتوث في هاتفه الجوال وتحميل تطبيق بسيط يتمكن من التواصل مع تلك الأجهزة واقراءة محتوى الخرائط المصممة مسبقا. يقوم التطبيق حينئذ بإعطاء الكفيف إرشادات صوتية بالاتجاه المناسب حسب المكان الذي يريد الذهاب إليه. ويشير مطوروا هذه التقنية أنه بالإضافة إلى توجيه المكفوفين داخل المباني، فمن الممكن الاعتماد عليها لأداء أكثر من وظيفة، مثل إرسال إشعارات إلى الجوالات تحتوي على معلومات خاصة بمكان ما حين الوصول إليه، أو حجز مكان في الصفوف عن بعد، أو غير ذلك من الاستخدامات التي قد تطرأ على ذهن المستفيد. من مزايا تلك التقنية ما يلي:

  • تعمل على معظم أنظمة الهواتف المحمولة طالما أنها تدعم تقنية البلوتوث.
  • بما أن البلوتوث من التقنيات التي تستهلك طاقة منخفضة، فإن عمر بطاريات أجهزة البث يكون طويلا، إذ يتراوح بين سنة و4 سنوات.
  • على الرغم من إنها تقنية موجهة للجميع، إلا أنها تساعد فاقدي البصر بشكل كبير في التوجه داخل المباني والحصول على معلومات بشكل لم يسبق لهم من قبل بفضل ما تقدمه أجهزة البث تلك من معلومات متعلقة بالموضع المُثبَتَة به.
  • عالية الدقة، بحيث يمكنها توجيه المستخدم الكفيف إلى مدخل معين بإرشادات مبسطة كالاعتماد على أسلوب التوجيه بنظام عقارب الساعة أو بعدد الأمتار أو باتجاهات البوصلة.
  • مرونة في التركيب، إذ أنها لا تتأثر بالعوامل التي تحد من جودة الgps أو الوايفاي، فهي يمكن ضبطها لتعمل في نطاق معين، كما يمكن التعويض عن أي قصور في التغطية بزيادة عدد الأجهزة أو تحريكها بالشكل المناسب.

أما بعض عيوبها فتتمثل في الآتي:

  • صعوبة الصيانة، إذ أنها تتطلب خبير مختص يقوم بتصميم الخرائط الخاصة بالمكان وتثبيت أجهزة البث بشكل سليم.
  • تحد من مرونة التعديل في المكان، إذ أن أي تغيير في نمط المكان أو أثاثه يؤثر على الخرائط وبالتالي قد يمِد المستخدمين بمعلومات مشوَشة.
  • هناك خطورة أمنية متعلقة بإمكانية اكتشاف القراصنة للخرائط وتغييرها أو إرسال معلومات مضللة للمستخدمين. لذا يُنصح بالتأكد من مدى أمان الخرائط عند التركيب، ولكن يجدُر التنويه إلى أن تلك الأجهزة في حد ذاتها ليس بإمكانها تخزين أي معلومات عن المستخدم، فهي إجهزة إرسال فحسب.
  • قد تكون تكلفة تركيبها وصيانتها مرتفعة، خصوصا إذا كان المكان كبيرا نوعا ما كجامعة أو مجمع تجاري أو مطار.

الخاتمة:
هناك الكثير من العوامل التي تتضافر لتطوير تقنيات مساعدة في الحركة والتوجه، ولكن لا يوجد هناك إجماع حول ماهية المعلومات التي ينبغي أن يتم إمداد المستخدمين بها. فلدينا مثلا التقنيات التعويضية عن البصر - كعصا الليزر أو كاميرات The vOICe - تحاول إمداد المستخدم بصورة ثرية عن البيئة المحيطة، فعلى الرغم من اختلاف تلك الأجهزة في الدقة، إلا أنها جميعا تشترك في التوجه القائم على ضرورة إمداد الكفيف بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن الصورة البصرية. ولكن على الصعيد الآخر، يوجد التوجه المرتكز على أن أنجح حلول الحركة والتوجه قائمة على بساطة المعلومة المعروضة مثل عصا السونار. بناءا على هذا التصور تكون محاولة إيصال كمية ضخمة من المعلومات أمرا معقدا، فهذا الفريق يتبنى فكرة أن الجهاز يجب أن يوفر المعلومات المهمة فقط والتي تساعد الكفيف على التحرك الآمن والمستقل فحسب، مثل اكتشاف العقبات أو معرفة الموقع الحالي.
هذا الاختلاف في وجهات النظر يطرح بقوة قضية أن هناك حاجة ماسة لدراسات سلوكية محايدة لإثبات فعالية الأدوات الإلكترونية المساعِدة على الحركة، وذلك لأن معظم الدراسات والأبحاث في هذا المجال شملت عينات بسيطة من المستخدمين أو أجريت من قبل مطوري الأجهزة أنفسهم. فمثلا يجب التثبت بطريقة علمية محايدة من أن الأجهزة عالية الدقة تمد المستخدمين بمعلومات مهمة أو أنها تشتتهم بإصدار الكثير من النغمات والاهتزازات غير المفهومة.
كما أن من الضروري أخذ المنفعة الوظيفية للجهاز بالاعتبار، فعدم الاتصال الجيد بين ما يفعله الجهاز وما يحتاجه المستخدم يعكس التواصل غير الهادف بين المؤسسات المعنية بقضايا المكفوفين ومطوري تلك التقنيات. فنقص التواصل هذا مصحوبا بقلة الأبحاث الموضوعية ومحدودية فرص التمويل هي من الأسباب الرئيسية لعدم وجود قبول واسع لحلول الحركة والتنقل التقنية في أوساط المكفوفين.
أتمنى أن أكون قد وُفِقْتُ في إماطة اللثام عن قضية شائكة لا يتوفر عنها سوى معلومات شحيحة، كما أتمنى أن تكون تلك المقالات نواة يبني عليها غيري في تقديم معلومات أكثر شمولية ومنهجية بهدف نفع وفائدة فاقدي البصر. كما أرجو ألا ينساني من استفاد من تلك المقالات بدعوة بظهر الغيب. ودمتم بخير

النوع: 

التعليقات