الكفيف وبرايل: أسباب التباعد المتنامي والهجر المتزايد

التبويبات الأساسية

البرايل هو الوسيلة التي يتمكن من خلالها المكفوفون من القراءة والكتابة مستعيضين بحاسة اللمس عن البصر الذي فقدوه. ويتكون البرايل من 6 نقاط بارزة يحدد ترتيبها وعددها الرمز أو الحرف الذي يعبر عنه. وقد مر البرايل بمراحل مهمة من التطور مستفيدا من التقنيات الحديثة. فتحولت الكتابة من طريقة ميكانيكية تقوم على حفر النقاط بواسطة طابعة يثير صوتها الصداع على ورق سميك إلى كتابة سهلة بلمس أزرار على آلة تشبه الحاسوب. بحيث يمكن أيضا قراءة ما تم كتابته على سطر تحتويه نفس الآلة يظهر أشكال الأحرف بوضوح. هذه الآلات صغيرة الحجم سهلة الحمل مكتومة الصوت تعمل بشكل إلكتروني ويمكن وصلها بالحواسيب والهواتف الذكية لتحويل ما يوجد على الشاشة لنقاط بارزة. ولكن رغم هذا التطور المذهل والكبير نرى بأن أعداد المكفوفين الذين يستخدمون طريقة برايل في تناقص مستمر فما هي أبرز أسباب هذا التناقص والإحجام عن إستخدام البرايل وحتى في أحيان كثيرة عن تعلمه؟

تتنوع أسباب إمتناع المكفوفين حاليا عن الإهتمام ببرايل والإبتعاد كثيرا عن التعامل معه وتختلف من شخص لآخر ومن طبقة إجتماعية لأخرى ويمكن إجمالها بالآتي:
أولا: إرتفاع الأسعار:
منذ أن كان يتم كتابة البرايل بطريقة ميكانيكية قديمة بإستخدام طابعات تحفر النقاط على الورق كانت مشكلة الأسعار المرتفعة قائمة. فتلك الطابعات برغم عملها الميكانيكي الصرف إلا أنها لطالما كانت باهظة الثمن لا تقل كلفتها عن ال600 دولار للطابعة.
كذلك فإن الأوراق الكرتونية السميكة التي تتم الكتابة عليها لمتكن أيضا منخفضة الأثمان كثيرا ما جعل أيضا أثمان الكتب التي بصيغة برايل مرتفعة.
وقد أدى التطور في آلات برايل إلى تفاقم مشكلة الأسعار المرتفعة حتى أننا نستطيع أن نؤكد أنه حاليا من شبه المستحيل أن تجد سطرا إلكترونيا مهما إنخفضت مواصفاته ينقص ثمنه عنن الألفي دولار.
إن مثل هذه الأسعار المرتفعة تجعل من الصعب كثيرا على المكفوفين فيالكثير من البلدان إقتناء أجهزة كتابة وقراءة برايل خصوصا وأن المكفوفين كثيرا ما تسود بينهم البطالة والدخول المحدودة. ويتفاقم سوء الأمر عندما يتضح أن الكثير من البلدان النامية لا تؤمن أي دعم مادي للمكفوفين لشراء آلات تستخدم تقنيات برايل.
ثانيا: وجود البدائل الناطقة:
إن البرامج القارئة للشاشة التي تستخدم النطق لتمكين الكفيف من معرفة ما يظهر أمامه على شاشات الحواسيب والهواتف الذكية يعتبر ضربة قاسية في مواجهة البرايل. وما يزيد من قوة تلك البدائل أنها برامج تضاف إلى الحاسوب أو الهاتف وليست آلات مستقلة, كما أنها منخفضة التكلفة. فيمكنك مثلا أن تحصل على قارئ شاشة مجاني ناطق لحاسوبك وشراء صوت عربي لهذا البرنامج لا يزيد عن مئة دولار.
كما أن البرامج الناطقة تعتبر أكث سرعة من طريقة اللمس لقراءة محتوى شاشة حاسوب خصوصا مع إعتياد الكثير من المكفوفين على القراءة بهذه البرامج بإستخدام سرعات عالية للقراءة.
ثالثا: غرابة رموز البرايل وإبتعاد شكلها عن الأحرف العادية التي تقرء بالعين:
كثيرا من الطلاب المكفوفين يشعرون بالإحراج عندما يدخلون إلى الصف وهم يحملون أوراقا تتراصف عليها نقاط بارزة غريبة وذلك مع إنتشار سياسة دمج المكفوفين في المدارس العادية التي يتعلم فيها المبصرون. فتجد الكفيف يمتنع عن أخذ كتابه الضخم معه إلى المدرسة حتى ولو كان هذا الكتاب متوفرا, وتراه يمتنع عن حمل سطره الإلكتروني إلى صفه حتى ولو كان يمتلكه فعلا. أما الطابعة القديمة فهو بالطبع لن يفكر مطلقا في حملها معه ليس لحجمها الكبير إنما لصوتها الذي سيجعل المدرسة كلها تتظاهر لتطالب بإخراجها من بين قاعاتها.
إن هجر المكفوفين المفرط لطريقة برايل وإحجام الكثيرين عن تعلمها وثقتهم بأن البرامج الناطقة تستطيع أن تحلمحلها وبأنهم لن يحتاجوا البرايل في حياتهم أصبح أمرا واقعا وعلى الرغم من ذلك فإن البرايل يبقى إتقانه أساسيا وذلك للإستقلالية التي يؤمنها للكفيف الذي مهما طال هجره له فقد يجد نفسه في لحظة بحاجة إليه وتكون لحظة حاسمة, كأن يكون في ورشة عمل يعرض لمسألة معينة, أو يقدم إستعراضا لنتائج بحث قام به, أو أن يكون في حاجة لأن يلقي كلمة مكتوبة, أو أن يكون لا زال طالبا لديه إمتحان في القراءة. ومثل هذه الحالات لا يستفيد فيها الكفيف من البرامج الناطقة رغم أهميتها بل يجب أن يكون ملما ببرايل مالكا لآلاته ولو الأقل تطورا منها, ويجب حينها أن يكون واثقا من نفسه لا يفكر بنظرات زملائه المندهشة من الرموز التي تلمسها يداه. وبالتالي لا بد من العمل الجدي من الجمعيات والهيئات المهتمة بشؤون المكفوفين على تعريف الكفيف بأهمية برايل وحثه على تعلمه, ومحاولة تأمين أسطر إلكترونية وطابعات لجميع المكفوفين بالتعاون مع الأجهزة المختصة في الدول كافة حتى يتعزز إستقلال الكفيف ويتفعل دوره في سوق العمل والمدرسة والجامعة. وليحاذر الجميع أن يستخفوا بطريقة برايل وأهميتها فهذه الطريقة وجدت لتبقى ولتكون عصية على التهميش والإندثار.

النوع: