التقنيات الحديثة... قوة تفجر طاقات الكفيف الدفينة

التبويبات الأساسية

استطاعت الثورة التكنولوجية أن تؤثر تأثيراً كبيراً في حياة مختلف المجتمعات والفئات في أنحاء العالم كافة. ومن أهم ما حققته تلك الثورة جعل حياة الإنسان أكثر سهولة ويسراً في المجال الثقافي، الاقتصادي، الاجتماعي والعملي. وكجزء من المجتمع كان لا بد أن تترك هذه التكنولوجيا تأثيراً كبيراً على حياة المكفوفين لتجعل ما كان في أمس قريب مستحيلاً عليهم ممكناً ومتاحاً لهم اليوم. فما هي أهم بصمات التكنولوجيا الحديثة الواضحة في حياة الكفيف؟
منذ اختراع الحاسوب وبداية انتشاره كان هناك من أدرك بأن هذا الاختراع العظيم يستطيع أن يساهم مساهمة فاعلة في تحسين حظوظ الكفيف في النواحي العلمية والعملية إن تم تمكينه من استخدامه. وبهذه الفكرة آمن عدد من المبرمجين والشركات التقنية وسعوا في تنفيذها حتى تمكنوا من ابتكار ما يسمى بقارئ الشاشة والذي يعتبر حتى الآن حجر الأساس في تمكين الكفيف من استخدام التقنيات الحديثة والاستفادة مما تقدمه خصوصاً بعد ظهور الإنترنت والمعلومات الهائلة التي يقدمها والأبواب العريضة التي يفتحها أمام من يتمكن من الدخول في عالمه.
الوظيفة الأساسية لقارئ الشاشة هي قراءة ما يتم عرضه أو كتابته على شاشة الحاسوب بالصوت ليتمكن الكفيف من التعامل مع الحاسوب باستخدام لوحة المفاتيح، متمكناً من التحكم بما يتم قراءته والتعامل مع العناصر بيسر.
إن قارئات الشاشة والبرامج الناطقة جعلت من الحاسوب صديق الكفيف المخلص الذي يساعده في دراسته، عمله، وفي تواصله مع الأصدقاء والمجتمع. فليس غريباً أن يكون الحاسوب المحمول مرافقاً للكفيف في الصف وقاعات المحاضرات والمؤتمرات والمكتب، ومؤنسه في البيت أو السيارة. فالطالب الكفيف أصبح قادراً على كتابة ما يمليه الأستاذ في الصف وتدوين الملاحظات في قاعة المحاضرات في الجامعة، وكتابة امتحاناته بمفرده بين زملائه بعد أن أصبح قادراً على الاستغناء عن صوت طابعة برايل المعروفة التي كان يشكو المبصرون كثيراً من صوتها وكانت تمنع الكفيف من أن يجري امتحاناته بين زملائه.
وقد دخل الكفيف الكثير من مجالات الوظائف والأعمال التي لم يكن قادراً على ممارستها قبل وجود الحاسوب والبرنامج الناطق، فتراه اليوم مبرمجاً، ومدققاً في جريدة وقائماً على موقع إلكتروني والكثير الكثير غيرها.
إن قارئ الشاشة بالتعاون مع الحاسوب جعل آلاف المراجع والكتب مقروءة للكفيف، فعشرات آلاف الكتب الإلكترونية متاحةة ليستفيد منها الكفيف في تنمية ثقافته وفي أبحاثه. كما أن هناك ما يسمى بتقنية التعرف على النصوص الموجودة في الصور أو المستندات الممسوحة ضوئياً "OCR". والتي تجعل من نص مطبوع في ورقة كفاكس مثلاً مقروءة بالنسبة للكفيف باستخدام برنامج لهذا الغرض وحاسوب وآلة مسح ضوئي وقارئ شاشة.
ومع تزايد أهمية الهاتف وتوسع الأمور التي يمكن الاعتماد بها عليه وبالرغم من أن الهواتف الحديثة كلها بشاشات لمس ولكن ذلك لم يشكل عائقاً أمام استخدام الكفيف لها واستفادته منها. فكان قارئ الشاشة والصوت الناطق هو الحل مرة أخرى، فمن خلالهما تمكن الكفيف من التعامل مع شاشات اللمس والاستفادة مما يحتويه الهاتف الذكي من تطبيقات إن في نطاق تحديد الموقع، أو الخرائط والإرشاد الصوتي للانتقال إلى مكان معين، أو ما يتعلق بتطبيقات التواصل وشبكات التواصل الاجتماعي كبرنامج الواتسآب، والفايسبوك وتويتر وغيرها... والكثير الكثير مما أصبح الكفيف قادراً على القيام به مستخدماً أحدث الهواتف مثله في ذلك مثل أقرانه المبصرين الذين ترى كثيراً منهم ينظرون إلى كفيف يحمل هاتفاً بشاشة لمس نظرة استغراب وعدم تصديق بأنه قادر على التعامل مع ما يحمله في يده ويعتقدون أن الأمر لا يتعدى كونه ديكور.
ولا بد من إشارة سريعة لبادرة كبيرة من شركة آبل المنتجة لهواتف آيفون والتي كان لها فضل كبير في تطوير إمكانيات سهولة الوصول وقارئات الشاشة في الهواتف فهي أول من اهتمت بإدخال قارئ شاشة مجاني لهواتفها وهذا القارئ هو من أكثر قارئات الشاشة تطوراً، وقد عنيت بتسهيل استخدام الآيفون للكفيف بشكل تستحق الاحترام والتنويه من أجله. وقد لحقت بها الشركات الأخرى منذ أمد قريب فأضيف قارئ شاشة مجاني لنظام آندرويد الذي يعتبر نظام التشغيل الأساسي للكثير من الهواتف ذات الأسعار المقبولة نسبيا.
لم يقف تجنيد التقنية لخدمة الكفيف عند هذا الحد فقط، بل ساهمت التكنولوجيا بإنشاء ما يسمى بالأجهزة التعويضية التي هي أجهزة لتمكين الكفيف من القيام بالأعمال اليومية أي لتعويض النقص الذي يعانيه. ونذكر منها الميزان الناطق، وأدوات قياس الضغط والسكري الناطقة، والأسطر الإلكترونية التي تعمل على تحويل ما يكتب فيها إلى لغة برايل، وتكون إما آلات مستقلة لأخذ الملاحظات وقراءة الكتب الإلكترونية والقيام ببعض وظائف الحاسوب، أو تكون آلات يتم وصلها بالهاتف الذكي أو بالحاسوب لتحويل عناصر الشاشة إلى برايل بدلاً من تحويلها إلى صوت مسموع.
إن التقنية في تقدم وتطور مستمر وكل يوم يحمل الجديد والمثير من ابتكاراتها وهذا ما يجعل الأمر دائماً موجوداً في اختراعات وبرامج تكشف عنها الأيام القادمة لتمكين الكفيف من التغلب أكثر فأكثر على صعوبات الحياة وجعله منسجماً مندمجاً في المجتمع لا يقل إنتاجه عن إنتاج الشخص العادي على كافة الصعد. وحري بنا أن نبقى على اطلاع دائم بأحدث الأدوات التي تهيؤها التقنيات لمساعدة الكفيف. ويجب على الدول والجمعيات المعنية بشؤون المكفوفين أن تعمل على توفير المساعدة المادية لكل كفيف عربي يقف عدم توفر المال حاجزاً بينه وبين استخدام التقنيات الحديثة.
وأسئلة مهمة تتبادر للذهن أخيراً: هل هناك عمل جدي لتهيئة جيل مثقف تقنياً من المكفوفين العرب؟ وهل بإمكانهم أن يساهموا في تطوير التقنيات التي تسهل حياتهم أم يقف دورهم على مجرد انتظار الآخرين لتطويرها لهم فيكونون محض مستهلكين؟ وهل هناك اهتمام بمشاريع لتسهيل حياة الكفيف وتمكينه من التغلب على إعاقته تمويلها عربي، ومشغلها دماغ عربي؟

النوع: 

التعليقات

إجابة على سؤالك

بسم الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم كان هناك محاولات لصناعة مثل هذا المشروع لكن تضيع الجهود إذا ما افتقرت المؤسسات للرؤية الكافية لدفع هذه المشاريع وتجربتي الشخصية أن الغالب ينظر أن ما يتم من جهود هو رفاهية للمكفوفين والحقيقة أننا بدأنا فقط ولم نغطي الأساسيات الضرورية بعد

الفرصة مازالت متاحة ولكن العالم يتغير من حولنا جميعا والتقنية تخطت الصورة التقليدية فلم يعد جهاز الحاسوب الثابت شيء أساسيا ولم يعد الجوال شيئا من الكماليات طبعا على سيل المثال

في رأيي المستقبل سيكون لتقنيات الذكاء الصناعي التي تطور حاليا ولا يقصد بها الكفيف تحديدا خصوصا تقنية التعرف على الأشياء والتي امتدت للفيديو مؤخرا

المشكلة التي أراها بوضوح هو أن المكفوفين في الغرب يحاولون ملاحقة التقنية أي أنهم يسيرون ورائها في محاولة للمواكبة

أما هنا فالمكفوفين يحاولون ملاحقة المكفوفين في الغرب

وحتى تضح الصورة أكثر فالمنتج الذي يصدر للمكفوفين في الغرب أحيانا نضطر للانتظار حتى يعرب أو يطرح عربيا(وغالبا بسعر أعلى) وهذا يعني أننا في الوقت الذي تقدم للمكفوفين هذه التقنية تكون تقنية جديدة ظهرت أو على وشك الظهور وهذا للأسف إنعكاس لوضع عام وليس خاص بالمكفوفين فقط ومن يتذكر عندما صدر الآيفون كم سنة انتظرنا حتى تم تعريبه ثم دعم العربية في قارئ الشاشة

المكفوفين بحاجة للخروج من الصورة النمطية وطبعا ليس الكل أعني ولكن من هم في موضع التأثير والتفكير بعيدا عن مجرد اقتناء التقنية وإنما في كيفية ابتكار حلول تحل مشاكلهم مصممة خصيصا لهم

أخيرا الطريق ليس سهلا ولكن الكلفة تزيد مع مرور الوقت